الشيخ محمد الصادقي
280
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
111 - " لَغَفُورٌ رَحِيمٌ " يَوْمَ تَأْتِي فيه كُلُّ نَفْسٍ مكلّفة تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها لا سواها فإن " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ " ( 80 : 37 ) عن غيره وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مكلفة إنسية أو جنية أو سواهما ما عَمِلَتْ على ضوء الإيمان باللّه و " هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " ( 27 : 90 ) جزاء هو نفس العمل يملكونه وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ولا ينقصون عما عملوا " جَزاءً وِفاقاً " مهما كان للمحسنين مزيد " عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ " . 112 - ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لمن يتذكر قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً غيرها وعن غيرها مُطْمَئِنَّةً لنفسها وسواها يَأْتِيها رِزْقُها سهلا يسيرا رَغَداً غزيرا كثيرا مِنْ كُلِّ مَكانٍ فيه رزق فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ إذ بدلت نعمة اللّه نعمة فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ إذ شملاها من كل جهة بِما كانُوا يَصْنَعُونَ من كفر أو كفران بأنعم اللّه ، سواء أكانت هي مكة أو غيرها ، فالمثل هو الممثّل لتلك الحقيقة المستمرة على مرّ الزمن ، وفي مكة المكرمة " وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ " ( 2 : 126 ) ولقد تحقق ذلك الدعاء من إبراهيم الخليل بحق مكة ، إذ يجبى إليها ثمرات كل شيء . 113 - وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ إنسانا كما لهم ومن الساكنين فيها كما هم فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَ الحال أن هُمْ ظالِمُونَ أنفسهم وسواهم . 114 - فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ رزقا حَلالًا طَيِّباً تستطيبه الطباع إنسانيا وإيمانيا ، دون ما يكون حراما ، أو خبيثا تستخبثه للطباع وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ في حلال رزقه وطيبه إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ لا سواه تَعْبُدُونَ حيث إن شكر النعمة هو قضيّة العبادة كأصل . 115 - إِنَّما ليس إلا ، في خصوص الأنعام حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ " مَسْفُوحاً " كما ذكر في الأنعام وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وإن يترك اسم اللّه " وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ " ( 6 : 121 ) فَمَنِ اضْطُرَّ دون اختياره ، حال كونه غَيْرَ باغٍ طالب للحرام أو معتد فيه ، وَلا عادٍ عدوا ولا عداء ، والكلّ يعني أنه قاصر في اضطراره ، مكتف بقدر البلغة فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ما اضطر إليه دون تقصير . 116 - وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ دون سناد صادق إلى وحي اللّه هذا حَلالٌ وَهذا حَرامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في قولتكم الكذب ، كأن اللّه أوحى به إليكم ، أو خوّلكم أن تشرّعوا من عند أنفسكم " آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ " إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ في حياتهم بل يفلحون . 117 - ذلك الافتراء الكذب مَتاعٌ قَلِيلٌ تشترونه به وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بعد الموت . 118 - وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا عن الحق حَرَّمْنا ما قَصَصْنا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وهو " كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ . . " ( 6 : 146 ) وَما ظَلَمْناهُمْ بذلك التحريم جزاء بما كسبوا وابتلاء وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ دون اللّه فلا يظلم ، ولا غير اللّه إلا رجوعا لظلمهم إليهم .